ابن كثير

49

البداية والنهاية

وذكر ابن عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الأعرج من ولد جعفر بن أبي طالب ، وكان أميرا على خمسة آلاف ، مع عبد الله بن علي في حصار دمشق ، أنهم أقاموا محاصريها خمسة أشهر ، وقيل مائة يوم ، وقيل شهرا ونصفا ، وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصينا عظيما ، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية ، وكان ذلك سبب الفتح ، حتى أنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين حتى في المسجد الجامع منبرين ، وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين ، وهذا من عجيب ما وقع ، وغريب ما اتفق ، وفظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية ، نسأل الله السلامة والعافية . وقد بسط ذلك ابن عساكر في هذه الترجمة المذكورة ، وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال : كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق ، دخلها بالسيف ، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات ، وجعل جامعها سبعين يوما اسطبلا لدوابه وجماله ، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء ، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمة ، وكان يجد في القبر العضو بعد العضو ، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحا لم يبل منه غير أرنبة أنفه ، فضربه بالسياط وهو ميت وصلبه أياما ثم أحرقه ودق رماده ثم ذره في الريح ، وذلك أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن علي ، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير ، سبعمائة سوط ، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء . قال : ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم ، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفا عند نهر بالرملة ، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطا فأكل وهم يختلجون تحته ، وهذا من الجبروت والظلم الذي يجازيه الله عليه ، وقد مضى ولم يدم له ما أراده ورجاه ، كما سيأتي في ترجمته . وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال ، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاشرة عن وجهها وجسدها عن ثيابها ثم قتلوها . ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم . وأقام بها عبد الله خمسة عشر يوما . وقد استدعى بالأوزاعي فأوقف بين يديه فقال له : يا أبا عمرو ما تقول في هذا الذي صنعناه ؟ قال فقلت له : لا أدري ، غير أنه قد حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " فذكر الحديث . قال الأوزاعي : وانتظرت رأسي أن يسقط بين رجلي ثم أخرجت ، وبعث إلي بمائة دينار . ثم سار وراء مروان فنزل على نهر الكسوة ووجه يحيى بن جعفر الهاشمي نائبا على دمشق ، ثم سار فنزل مرج الروم ، ثم أتى نهر أبي فطرس فوجد مروان قد هرب فدخل مصر ، وجاءه كتاب السفاح : ابعث صالح بن علي في طلب مروان وأقم أنت بالشام نائبا عليها ، فسار صالح يطلب مروان في ذي القعدة من هذه السنة ، معه أبو عمر وعامر بن إسماعيل ، فنزل على ساحل البحر وجمع ما هناك من السفن وبلغه أن مروان قد نزل الفرما ، وقيل الفيوم ، فجعل يسير على الساحل والسفن تقاد معه في البحر حتى أتى العريش ، ثم سار حتى نزل على النيل ثم سار إلى الصعيد ، فعبر مروان النيل وقطع الجسر